25 Oct
25Oct

لم تعد جرائم الاحتيال المالي في المعاملات الدولية مقتصرة على صور الخداع التقليدية، بل امتدت إلى استغلال حركة التجارة وتعدد الولايات القضائية واختلاف النظم المالية بين الدول، حتى غدت بعض المعاملات التجارية غطاءً لعمليات مالية تتجاوز حقيقتها الظاهرة، وتتشابك فيها جرائم الاحتيال وغسل الأموال والتهرب الضريبي والجمركي وممارسة الأنشطة المالية دون ترخيص. ومن أخطر صور هذه الممارسات ما يعرف بالتسويات المالية الموازية، التي تقوم على انتقال القيمة المالية بين دولتين أو أكثر دون أن يقابلها بالضرورة تحويل مصرفي مباشر بين أصحاب الحقوق، وذلك من خلال أطراف ووسطاء يتولون قبض الأموال أو تسوية الالتزامات المالية في دول مختلفة. وقد تستغل الشبكات الإجرامية هذه الترتيبات في إخفاء مصادر الأموال والمستفيدين الحقيقيين منها، أو الاستيلاء على أموال المتعاملين تحت غطاء صفقات تجارية تبدو في ظاهرها مشروعة. ويتجلى ذلك في بعض معاملات بيع المركبات والعقارات والمعدات والبضائع، عندما يرغب شخص في شراء أصل موجود في دولة أخرى، فيُطلب منه سداد قيمته إلى شخص في دولة إقامته أو إلى طرف ثالث لا تربطه بالبائع علاقة ظاهرة، مقابل التعهد بإتمام إجراءات البيع أو نقل الملكية في الدولة التي يوجد فيها الأصل. وقد يكون المبيع حقيقياً، وقد تكون مستنداته صحيحة، ومع ذلك يقع الاحتيال عند توجيه الثمن إلى غير مستحقه، أو انتحال صفة البائع أو وكيله، أو الادعاء بوجود صلاحية للتصرف في مال الغير. وفي بعض الوقائع لا يقتصر الضرر على المشتري، بل يمتد إلى البائع نفسه، عندما يُستغل في معاملة منفصلة عن مسار الأموال أو يُدفع إلى اتخاذ إجراء ناقل للملكية بناءً على بيانات أو تأكيدات غير صحيحة. ومن الناحية القانونية، فإن جوهر الخطورة لا يتمثل في اختلاف مكان السداد عن مكان التسليم وحده، إذ يجوز في المعاملات المشروعة أن يتم الوفاء بواسطة الغير أو لمصلحة طرف مفوض وفقاً للأحكام ذات الصلة، وإنما يتحدد الخطر في حقيقة العلاقة بين الأطراف ومشروعية نشاط الوسيط وسلامة مصدر الأموال والغرض من ترتيبها على نحو يفصل بين مستلم المقابل وصاحب الحق فيه. وهنا يقتضي التكييف القانوني التمييز بين عدة أوصاف جنائية قد تجتمع في واقعة واحدة دون أن تتلازم بالضرورة؛ فالاستيلاء على مال الغير باستخدام الكذب أو الخداع أو الإيهام يدخل في نطاق الاحتيال المالي متى تحققت عناصره، أما التصرف في الأموال المسلمة على سبيل الأمانة أو الوكالة أو غيرها من العلاقات التي يحميها النظام فقد يأخذ وصف خيانة الأمانة بحسب ظروف الواقعة. وإذا استُخدمت الصفقة وسيلة لتقديم خدمة نقل الأموال أو القيمة خارج الإطار النظامي، فقد تقوم مخالفة مستقلة تتعلق بممارسة نشاط مالي خاضع للترخيص دون الحصول على الترخيص المطلوب. أما غسل الأموال، فلا يتحدد بمجرد انتقال المال بين دولتين أو تعدد مستلميه، وإنما يتصل بحقيقة الأموال محل التصرف وبالأفعال التي تقع عليها، وفق الأوصاف التي حددها نظام مكافحة غسل الأموال، ومنها تحويل المتحصلات الإجرامية أو نقلها أو إخفاء مصدرها أو تمويه طبيعتها أو حركتها أو ملكيتها. والمقرر استقلال جريمة غسل الأموال عن الجريمة الأصلية، وعدم اشتراط صدور إدانة عن الجريمة الأصلية لإثبات جريمة غسل الأموال، كما يجوز استخلاص القصد والعلم والغرض من الظروف والملابسات الموضوعية والواقعية، بما يمنع اختزال الإثبات في مجرد الاعتراف أو الإنكار. ولا يغير من ذلك ادعاء الجهل بالأحكام النظامية متى ثبتت عناصر المسؤولية المقررة، كما لا يجوز اتخاذ هذا الأصل ذريعة لإهدار الأركان التي اشترطها النظام للتجريم. وتتضاعف خطورة هذه المعاملات عندما تتحول التجارة ذاتها إلى وسيلة لإضفاء مظهر مشروع على التدفقات المالية، وهو ما تتناوله الأدبيات الدولية تحت مفهوم غسل الأموال القائم على التجارة، حيث قد تستخدم الفواتير والبيانات التجارية غير المطابقة للحقيقة أو العمليات الصورية لإخفاء حركة القيمة المالية ومصدرها الحقيقي. ويجب في هذا السياق عدم الخلط بين مجرد الوفاء بواسطة طرف ثالث وبين غسل الأموال القائم على التجارة، فالأول قد يكون ترتيباً مشروعاً، أو مؤشراً على عملية مشبوهة، بينما يستلزم الثاني قيام نشاط يستغل التجارة في التعامل بالمتحصلات الإجرامية وفق عناصر التجريم. كما تبرز المخالفات الضريبية عندما تستخدم المعاملات التجارية أو المستندات المتعلقة بها لإخفاء الإيرادات الخاضعة للضريبة، أو تقديم إقرارات أو فواتير غير صحيحة بقصد تخفيض المستحقات الضريبية أو استرداد مبالغ دون وجه حق. وقد تتصل الوقائع ذاتها بجرائم التهريب الجمركي متى اقترنت بحركة بضائع عبر الحدود بالمخالفة للأحكام الجمركية، أو باستخدام بيانات ومستندات غير صحيحة للتهرب من الرسوم أو القيود المقررة. ومن ثم فإن وقوع الاحتيال في صفقة دولية لا يعني بالضرورة وقوع تهرب ضريبي أو جمركي، وإنما يجب بحث كل مخالفة في نطاق الالتزام الذي نشأت عنه، والفعل المرتكب بشأنه، وشروط المسؤولية المقررة له. وتظهر الجريمة المنظمة بوصفها أحد أخطر أبعاد هذه الظاهرة عندما لا يكون الاحتيال عملاً عارضاً لشخص منفرد، بل نشاطاً تتوزع فيه الأدوار بين أشخاص يتولون استدراج المتعاملين وقبض الأموال وإدارة التسويات وإخفاء العائدات، ويجمعهم تنظيم أو ارتباط إجرامي تتوافر فيه الخصائص المعتبرة نظاماً. وقد أكدت التقارير الدولية المعنية بمكافحة غسل الأموال خطورة استغلال الشبكات المالية الموازية والوسطاء المحترفين والأنشطة التجارية في نقل القيمة وإخفاء المتحصلات الإجرامية، بما يجعل تتبع هذه الجرائم متجاوزاً للعلاقة المباشرة بين المجني عليه ومن تسلم أمواله. ومن أدق المسائل القانونية في هذه الوقائع تحديد المركز القانوني للمتعامل الذي تعرض للاحتيال بعد قبوله وسيلة دفع غير نظامية؛ فصفة المجني عليه لا تمنح حصانة من المسؤولية عن فعل مخالف مستقل ثبت ارتكابه، كما أن مجرد وقوعه ضحية لخداع منظم لا يجعله شريكاً في جرائم لم تتوافر عناصرها في حقه. ولهذا يجب الفصل بين مسؤوليته عن التصرفات التي باشرها، وحقه في الحماية الجنائية والمطالبة بالأموال التي استولي عليها، دون أن يؤدي بحث إحدى المسألتين إلى إهدار الأخرى. ولا تقل خطورة الأثر الإجرائي لهذه الجرائم عن أثرها المالي؛ إذ قد يقع فعل الخداع في دولة، ويتحقق الاستيلاء على المال في دولة ثانية، بينما يوجد الأصل محل المعاملة أو بعض المشاركين في دولة ثالثة، فتثور مسائل الاختصاص القضائي وتحديد القانون الواجب التطبيق والتعاون الدولي في جمع الأدلة وتعقب المتحصلات واستردادها. وفي مثل هذه الوقائع لا يكفي تتبع المستلم المباشر للمال، بل تقتضي المعالجة القانونية والجنائية فحص الصلة بين المعاملة الأصلية ومسار الوفاء والأطراف المنتفعين منها، ومدى اتصالها بنشاط مالي موازٍ أو بجريمة أصلية أخرى. وقد أرست المملكة العربية السعودية منظومة تشريعية ورقابية متكاملة لمواجهة هذه المخاطر، من خلال نظام مكافحة الاحتيال المالي وخيانة الأمانة، ونظام مكافحة غسل الأموال، ونظام المدفوعات وخدماتها، إلى جانب التشريعات الضريبية والجمركية والأنظمة ذات الصلة، بما يعزز سلامة المعاملات ويحمي الحقوق ويحد من استغلال الأنشطة الاقتصادية في الجريمة. ولا ينبغي النظر إلى الالتزام بهذه الأنظمة باعتباره إجراءً إدارياً يمكن تجاوزه بالثقة الشخصية أو الاتفاقات الخاصة، فالغاية منها تمتد إلى حماية السوق والاقتصاد الوطني وضمان سلامة حركة الأموال والتجارة. كما أن وجود عقد صحيح أو سلعة حقيقية لا يكفي وحده لإضفاء المشروعية على جميع الإجراءات المالية المتصلة بهما، فمشروعية البيع مسألة، ومشروعية آلية الوفاء والتسوية مسألة أخرى، وقد يصح الالتزام التعاقدي بينما تقع مخالفة مستقلة في طريقة تنفيذه. وعليه فإن المعيار الحقيقي لسلامة المعاملة الدولية ليس مجرد إتمام البيع أو تسليم المبيع، وإنما وضوح أطراف العلاقة القانونية، والتحقق من المستفيد الحقيقي من المدفوعات، وثبوت صفة من يتسلمها، ومطابقة البيانات والمستندات للواقع، واستخدام القنوات المالية المرخصة متى كان النشاط خاضعاً للترخيص، والوفاء بالالتزامات الضريبية والجمركية الواجبة. إن أخطر ما في الاحتيال العابر للحدود أنه قد يبدأ بقبول ترتيب مالي يراه أحد المتعاملين تيسيراً تجارياً، بينما يكون في حقيقته مدخلاً إلى شبكة من التصرفات غير المشروعة التي تتجاوز نطاق الصفقة الواحدة. ولذلك فإن الانضباط في المعاملات المالية الدولية يمثل خط الدفاع الأول عن الأموال والحقوق، ويسهم في حماية الاقتصاد من شبكات الاحتيال وغسل الأموال والجريمة المنظمة، ويؤكد أن سلامة التجارة لا تنفصل عن سلامة وسائل الوفاء، وأن الثقة في الأسواق تقوم على الشفافية والمشروعية وقابلية التحقق والمساءلة.
شركة عبدالمجيد المشاري للمحاماة والاستشارات القانونية

تعليقات
* لن يتم نشر هذا البريد الإلكتروني على الموقع.